غولدمان ساكس يخفض توقعاته لأسعار الذهب بنهاية العام الحالي

غولدمان ساكس يخفض توقعاته لأسعار الذهب بنهاية العام الحالي

شهدت الأسواق المالية العالمية في الربع الأول من عام 2026 تقلبات حادة أعادت رسم خارطة الاستثمارات الآمنة، لتتصدر هذه التحولات واجهة أخبار الاقتصاد العالمية. فبعد أن حلق المعدن الأصفر عاليًا ليلامس قمة تاريخية غير مسبوقة عند مستوى 5600 دولار للأونصة في نهاية يناير من العام الجاري، دخل الذهب في موجة تصحيح قاسية أدت به إلى التراجع نحو مستويات 4165 دولاراً للأونصة، مسجلاً خسائر شهرية متتالية.

وفي خضم هذا التراجع الذي يعد من أهم أخبار اليوم في الأوساط الاستثمارية، جاء القرار المفاجئ لأحد أكبر عمالقة وول ستريت والمدافعين التاريخيين عن بريق المعدن النفيس، بنك “غولدمان ساكس”، بخفض توقعاته لسعر الذهب بنهاية العام بمقدار 500 دولار كاملة ليصل المستهدف إلى 4900 دولار للأونصة. هذا التحول الطفيف لكن المؤثر في نبرة البنك يعكس تغيرات جوهرية في بنية السياسة النقدية الأميركية، وظهور متغيرات سياسية واقتصادية غير متوقعة تقودها القيادة الجديدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

لغز “كيفن وارش”: نبرة متشددة تقلب التوقعات الخاصة بالمعدن الأصفر

لم يكن التغير في توقعات “غولدمان ساكس” مجرد استجابة لتقلبات فنية في السوق، بل كان قراءة عميقة للتحول الجذري في فلسفة إدارة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. فقد شهد عام 2026 تعيين “كيفن وارش” رئيساً للبنك المركزي من قبل الرئيس دونالد ترمب، وهو التعيين الذي جاء بعد انتقادات علنية ومتكررة وجهها الرئيس لـسلف وارش بسبب عدم خفض أسعار الفائدة بالقدر الكافي لإنعاش الاقتصاد.

ومع ذلك، حمل الاجتماع الأول للاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة وارش مفاجأة مدوية للأسواق؛ حيث اتسمت نبرته بـ”تشدد غير متوقع” وتعهد صريح بإعادة الاستقرار إلى الأسعار ومحاربة التضخم كأولوية قصوى. هذا التوجه المتشدد قلص المخاوف التي كانت سائدة بشأن فقدان البنك المركزي لاستقلاليته السياسية أمام البيت الأبيض. وبدلاً من الاتجاه نحو تيسير نقدي سريع، أشار صانعو السياسة إلى تزايد الدعم لفكرة رفع أسعار الفائدة خلال العام الحالي إذا تطلب الأمر، مما شكل صدمة إيجابية للدولار وصدمة سلبية للذهب الذي لا يدر عائداً.

إعادة هيكلة خارطة الفائدة تؤثر على مسار سعر الذهب

بناءً على التوجهات الجديدة للفيدرالي، اضطر الاقتصاديون في “غولدمان ساكس” إلى مراجعة جداولهم الزمنية المقدرة لخفض أسعار الفائدة الأميركية بالكامل. فبينما كانت التوقعات السابقة تشير إلى بدء خفض الفائدة في ديسمبر من عام 2026 ومارس من عام 2027، أظهرت المعطيات الحالية تأجيل هذه التوقعات إلى يونيو وديسمبر من العام المقبل (2027)، مما يعني بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول بكثير مما كان مأمولاً.

إن بقاء أسعار الفائدة “مرتفعة لفترة أطول” يرفع التكلفة البديلة لحيازة الذهب. فالذهب، رغم كونه مخزناً ممتازاً للقيمة وملاذاً امناً ضد الأزمات، إلا أنه لا يقدم عوائد دورية مثل السندات أو الودائع الحسابية. وعندما تمنح السندات الأميركية عوائد مرتفعة ومضمونة، يميل المستثمرون المؤسسيون إلى تحويل سيولتهم نحو أدوات الدين والدولار، وهو ما يفسر تراجع التدفقات الاستثمارية إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs)، والتي اعتُبرت تاريخياً المحرك الأساسي لموجات الصعود الكبرى.

صراع الشرق الأوسط و تأثيره على سعر الذهب العالمي

لا يمكن فصل مشهد الذهب الحالي عن التطورات الجيوسياسية المشتعلة، وتحديداً الصراع المستمر في منطقة الشرق الأوسط. في بادئ الأمر, أدت هذه التوترات إلى اندلاع موجة صعود قوية في أسعار الطاقة والنفط. ووفقاً للآليات الاقتصادية التقليدية، فإن ارتفاع أسعار النفط يترجم مباشرة إلى ارتفاع في معدلات التضخم المستوردة حول العالم.

هنا واجه الذهب مفارقة اقتصادية؛ فبينما يستفيد عادةً من التوترات الجيوسياسية كأداة تحوط، فإن التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة أجبر البنوك المركزية، وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي، على تبني سياسات نقدية أكثر صرامة وتشديد الائتمان لكبح جماح الأسعار. هذه السياسة التقييدية الصارمة تفوقت في تأثيرها على جاذبية الذهب الحمائية، وتحول الخوف من الحرب إلى خوف من الفائدة المرتفعة، مما ضغط على أسعار المعدن صعوداً ثم هبوطاً متتالياً.

تحذيرات “كابلان” واحتمال الهبوط الشديد

ضمن المذكرة التحليلية التي صاغها المحللان “لينا توماس” و”دان سترويفن”، تم تسليط الضوء على سيناريو بديل يمثل خطراً حقيقياً على الذهب في المدى القريب. هذا السيناريو عززه تصريح “روب كابلان”، نائب رئيس “غولدمان ساكس” والرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، حيث أشار إلى أن الفيدرالي قد لا يكتفي بالإبقاء على الفائدة المرتفعة، بل قد يضطر بنشاط إلى رفعها اعتباراً من اجتماع سبتمبر 2026 إذا أظهرت قراءات التضخم عناداً واستمراراً في الارتفاع.

إذا تحقق سيناريو رفع الفائدة مجدداً، يتوقع المحللون أن يتراجع الطلب على الذهب باعتباره أداة تحوط من مخاطر سياسات الاقتصاد الكلي بشكل أكثر استدامة وقسوة. وفي هذا السيناريو المتشائم، قد يواجه الذهب ضغوطاً تدفع به نحو مستويات 4400 دولار للأونصة بنهاية العام، وهو ما يمثل تراجعاً كبيراً عن المستهدف الحالي، ويؤكد أن السوق يعيش حالة من الحذر الشديد والترقب لخطوات الفيدرالي القادمة.

لماذا لا يزال الذهب يحمل فرصاً صعودية حتى الآن.

رغم هذه النظرة الحذرة على المدى القصير، يصر بنك “غولدمان ساكس” على أن رؤيته الطويلة والمتوسطة الأجل للذهب لا تزال “إيجابية من الناحية الهيكلية”. فالخفض بمقدار 500 دولار لا يعني الدخول في سوق هابطة دائم، بل هو إعادة ضبط لسرعة الصعود؛ إذ إن السعر المستهدف عند 4900 دولار يعني أن الذهب لا يزال يمتلك مساحة لتحقيق مكاسب تقارب 17% انطلاقاً من مستوياته الحالية قرب 4165 دولاراً.

وتستند هذه الرؤية الصعودية على المدى المتوسط إلى عدة ركائز دعم قوية أهمها:

  • مشتريات البنوك المركزية (القطاع الرسمي): تشكل مشتريات البنوك المركزية العالمية حائط الصد الأول والركيزة الأساسية لأسعار الذهب. ففي ظل رغبة العديد من الدول في تنويع احتياطياتها بعيداً عن الهيمنة المطلقة للدولار، تشير التقديرات إلى أن مشتريات القطاع الرسمي ستصل إلى 50 طناً شهرياً خلال العام الحالي 2026، وحوالي 40 طناً شهرياً في عام 2027. هذا الطلب المؤسسي السيادي والمستمر يخلق أرضية سعرية صلبة تمنع الانهيارات الحادة للأسعار وتوفر عمقاً كبيراً للسوق.
  • الديون السيادية العالمية: استمرار نمو العجز المالي والديون السيادية في الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى يظل وقوداً طويل الأجل لأسعار الذهب، كأداة وحيدة لا يمكن طباعتها أو إفساد قيمتها بقرارات سياسية.

 مسارات الذهب المتوقعة بنهاية 2026

السيناريو المقدر السعر المستهدف للأونصة المحرك الأساسي الاحتمالية
السيناريو الأساسي المعدل 4900 دولار تثبيت الفائدة مع بدء التلميح لخفضها في 2027، واستمرار مشتريات البنوك المركزية القوية. مرتفعة
السيناريو المتشدد (مخاطر الهبوط) 4400 دولار استمرار التضخم، قيام الفيدرالي برفع الفائدة في سبتمبر، وتراجع تدفقات صناديق الـ ETFs. متوسطة إلى مرتفعة
السيناريو التفاؤلي السابق (الملغى) 5400 دولار بدء خفض الفائدة الأميركية مبكراً في أواخر 2026 مع فقدان الفيدرالي لبعض استقلاليته. منخفضة جداً

 مسارات الذهب المتوقعة بنهاية 2026
التوازن الحذر في سوق المعادن الثمينة

يمكن القول إن سوق الذهب في عام 2026 يمر بمرحلة “انتقالية وتنظيمية” بامتياز. لقد أثبت التغير المفاجئ في نبرة وسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيفن وارش أن وول ستريت يجب أن تتكيف دائماً مع مرونة وصدمات السياسة النقدية. خفض “غولدمان ساكس” لتوقعاته ليس إعلاناً عن نهاية عصر الذهب، بل هو اعتراف واقعي بأن مسار الصعود لن يكون خطاً مستقيماً، وأن بريق المعدن الأصفر يواجه حالياً قوى جاذبية قوية يفرضها دولار قوي وفائدة مرتفعة. يبقى المستثمر الذكي في هذا البيئة معلقاً بين حذر المدى القريب مدفوعاً بقرارات الفيدرالي، وفرص المدى المتوسط المدعومة بالمشتريات السيادية للبنوك المركزية، مما يجعل الذهب ساحة صراع كبرى بين قوى الاقتصاد الكلي والتحوط الاستراتيجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top